ابن قيم الجوزية

140

الروح

جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، وأخذ اللّه عهدها وشهادتها له بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم وقبل أن يدخلها في الأجساد ، والأجساد يومئذ تراب وماء ، ثم أقرها حيث شاء هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت ، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المنى ، إلى أن قال : فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف والتناكر وأنها عارفة مميزة فيبلوهم اللّه في الدنيا كما يشاء ثم يتوفاهم فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ليلة أسري به عند سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم وأرواح أهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر ويعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة . قال : وقد ذكر محمد بن نصر المروزي عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه ، قال : وعلى هذا أجمع أهل العلم . قال ابن حزم وهو قول جميع أهل الإسلام قال : وهذا هو قول اللّه تعالى : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ، وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ « 1 » وقوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ « 2 » ، إلى آخرها ، فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتم عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد ، ثم برجوعها إلى البرزخ فتقوم الساعة ويعيد اللّه عز وجل الأرواح إلى أجسادها ثانية ، وهي الحياة الثانية يحاسب الخلق فريق في الجنة ، وفريق في السعير مخلدين أبدا . انتهى . وقال أبو عمر بن عبد البر : أرواح الشهداء في الجنة ، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم ، ونحن نذكر كلامه وما احتج به ونبين ما فيه . ( وقال ) ابن المبارك عن ابن جريج فيما قرئ عليه عن مجاهد : ليس هي في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها .

--> ( 1 ) سورة الواقعة ، الآية 13 . ( 2 ) سورة الواقعة ، الآية 88 و 89 .